التحول


 التحوّل 

المؤلف: ستيفان زفايج
المترجم: أشرف القرقني
عدد الصفحات: ٣٣٦
الناشر: مسكلياني

رواية

** 

"تحدث الأشياء في هذا العالم بشكل مختلف عن الذي تعلّمناه في كتب القراءة..."

كرستين هوفلنر، موظفة بريد عادية، تعيش حياة فقيرة في أوروبا ما بعد الحرب العالمية. تفتح لها الصدفة باباً لم يكن معداً لها، دعوة مفاجأة من خالتها الثرية تكشف لها وجهاً آخر للحياة، وتقلب عالمها رأساً على عقب. انتقال مفاجئ غير نظرتها لنفسها ولحياتها، لا لأنها تغيّرت من الداخل، بل لأن الظروف بدّلت شكلها ومكانتها.

"تعمل القوّة الغامضة للتّحوّل داخل الاسم كما يعمل الخاتم في الإصبع. قد يبدو وجودُه عرضيّا تماما في البداية، لا يورّطك في شيء. ولكن قبل أن تدرك سحره العجيب، يتسلّل تحت جلدك، ويصبح جزءًا منك ومن مصيرك إلى الأبد."

هنا لا يقدم زفايج حكاية خلاص، بل تجربة كاشفة لوهم التحول. عاشت كرستين نشوته دون أن تأسس له أي ركائز تضمن استمراره، كان تحولها خارجيا محضاً: مظهرها، ثقتها، نظرتها لنفسها. لذلك بدا هشًا من البداية، ومصيره السقوط لا الاكتمال. انهار العالم الجديد، وسُحبت منها الامتيازات، فعادت قسراً إلى واقعها القديم مثقلة بالخيبة والغضب، عاجزةً عن التكيف مع حياتها "الحقيقية".


"ما أن يُصاب المرء في كرامته عند أيّ نقطة ممكنة، حتّى تهتزّ جميع أعصابه على الفور. وحينئذ، سيجدّدُ أيُّ اتّصال عابر بهذا الجرح، أيُّ تفكير غير متوقّع فيه ألم الضّحيّة، ويضاعفه."


تحاول البطلة - ومعها الكاتب أحيانًا - إقناع القارئ بأنها ضحية: ضحية الواقع، وضحية الحرب. لكن القراءة المتأنية تكشف أنها ضحية ذاتها أولًا. كانت تعلم أصلها، وتدرك أن ما تعيشه ليس لها، ومع ذلك انغمست فيه بكامل وعيها، كأنها صدّقت حلمًا مؤقتًا وأرادت له أن يصبح واقعًا دائمًا. لم تكن مشكلتها الفقد، بل رفضها المسبق للعودة.


عند سقوطها، تجلّت لها لحظة تعرية كاملة: الناس، والفرص والوعود، كلها مشروطة، ولا أحد ينقذ أحداً مجاناً. كلٌّ يبحث عن مكمن مصلحته. فعاشت عزلةً فرضتها على نفسها، وانفصلت عن ذاتها الأولى، وحين سُحب منها "سحر التحول" لم تعد إلى نقطة الصفر، بل إلى ما هو أسوأ: شخصية أكثر حدة، وأكثر نقمة، وأقل قدرة على التكيّف. فأساءت إلى نفسها وإلى من حولها. 

"فجأة، يجد المرء نفسه عجوزا ذابلا، لا يعرفُ شيئا. يموتُ، دون أن يعرف شيئا ودون أن يحيا بحقّ."

 حتى وجدت وهماً جديداً: وهم الخلاص. كان فردينان مرآةً لرغبة كريستين في الهروب، لا طريقاً للنجاة بل مساراً يقودها إلى الهاوية.

 

أسلوبيًا، الرواية أطول مما اعتاده القارئ من زفايج. السرد فيه مطّ وبعض التكرار، لكنه - رغم ذلك - خدم الحالة النفسية للشخصية، وجعل القارئ يعيش دورانها الداخلي. بل إن جمال الوصف دفعني أحياناً لإعادة القراءة مرات عدة كي لا يفوتني شيء من هذا الجمال.

أما النهاية المفتوحة، التي بدت غريبة لكثيرين، فجاءت منسجمةً مع العمل. الوقوف في الفراغ، بلا إجابة نهائية، يُبقي الرواية حيّة بعد آخر صفحة، ويمنح القارئ مساحة تأمل لا إغلاقًا مريحًا.

رواية تتلبسك وتستحوذ عليك ولن تخرج منك حتى تخرج منها، وتكاد ألا تفعل.


من قراءات نادي متكأ وقبل ذلك توصية الصديقة إيمان.

.

ليست للجميع🔞

يوجد بعض التعديات على الذات الإلهية.


..


..


 اقتباسات مبعثرة 

"تحاول هذه المرأة البالغة من العمر ثمانية وعشرين عامًا أن تستحضر معنى ما للسّعادة. فتدرك منزعجةً أنّها لم تعد تعرف الإجابة مطلقا، كما لو أنّها تعلّمت لغة أجنبيّة في طفولتها، وهي الآن لا تتذكّر منها شيئًا."


"يظلّ النّوم وحده ما تستطيع أن تهبه لنفسك، الشّيء الوحيد الذي لا يكلّف شيئا."


"لقد سرقت الحرب شبابها، ولم تعد لديها الشّجاعة ولا القوّة من أجل البحث عن السعادة."


"لقد كانت تحيا حياتها، وكأنّ كل هذا لم يكن موجودًا. لم تره أبدًا. ولم ترد ذلك حتّى."


"يكفي أن يجد المرء نفسه في عالم الأثرياء حتّى يشعر بموجات من الخزي تتدفّق في وجهه. كيف يمكن أن تتمالك نفسها وسط هذه الأناقة التي لم تحلم بها من قبل؟ كلّ نظرة خجل تسبّب لها مزيدًا من الألم."


"تمنّت ألاّ ينظر أحد نحوها، فيلاحظ ما قد أصبح جليّا بالنّسبة إليها."


"شعرت بأنّها تُعرِض حياتها التي تنتمي إلى سُفُل البرجوازيّة الصّغرى للفضول الخبيث لعالم مشبع بتفوّقه."


"كم هو مثير أن يتأمّل المرء نفسه بدهشة، وأن يشعر بأنّه معجب بذاته، يكتشفها، ويتفحّص كلّ أجزاء جسده بمحبّة ذاتيّة مجهولة، لم يختبرها من قبل أبدا!"


"الزّمن هنا خاضع لإرادتها بعد أن كان من قبل سيّدها. لم تعد رحاه لقاسية تطحنُها بين السّاعات والثّواني. بل صارت تنزلق فوقَه بعينين مغمضتين، كأنّها في مركب بمجدافين ثابتين."


"يظلّ منحُ الثّقة أمرا خطيرا دوما. فالسّرُّ الذي تكشفه لغريب يقرّبه منك، ويجعلك تمنحه أفضليّة، إذ تتخلى له عن شيء من ذاتك."


"يعمل وعدُ الشّرف دوما بالنّسبة إلى امرأة عمل عكّاز تتشبّث به، قبل أن تسقط."


"من يحمل في قلبه مشاعر متّقدة لا يتأمّل العالم من حوله بشكل جيّد. فالنّاس السّعداء هم محلّلون نفسيّون فاشلون. ووحده الشّخص القلق من يشحذُ حواسّه إلى أقصاها."


"إن آخر من تدركه الإشاعة دوماً ضحيتها"


"إنّ نسياننا لكلّ شيء يضع نقطة النّهاية."


"قد لا نعرف قيمة الحياة قبل أن نحقق ذاتنا"

تعليقات

المشاركات الشائعة