لماذا نكتئب وكيف نتعافى
لماذا نكتئب وكيف نتعافى
صحة نفسية/ توعوي
**
"الاعتلالات النفسيّة، ومن بينِها الاكتئاب، ظواهرُ إنسانيّةٌ معقّدة. هي مُعقّدةٌ في ذاتِها، ومعقّدةٌ كذلك في علاقاتِها بعواملِها وأسبابِها."
لماذا نكتئب وكيف نتعافى ليس كتابًا يقدّم الاكتئاب كعارض نفسي منفصل أو خلل كيميائي بارد، بل كحالة إنسانية معقّدة ناتجة عن تراكب عوامل اجتماعية ونفسية وروحية. هذا المنظور هو عمود الكتاب الفقري، وهو ما يمنحه عمقًا وصدقًا بعيدًا عن الاختزال أو التبسيط المخلّ.
يعرّف المؤلف الاكتئاب بوصفه ظاهرة شبيهة بالأمراض المزمنة كالسُّكري والضغط: متعددة الأسباب، متداخلة العوامل، ولا يمكن ردّها إلى سبب واحد مباشر. تعريف أقرب للتجربة الإنسانية اليومية منه إلى لغة التشخيص الطبي الجاف، دون أن يفقد اتزانه العلمي.
أكثر ما يميّز الكتاب هو حرص المؤلف على رفع الوعي لا على إثارة العاطفة. يلامس القارئ في مناطق يصعب تسميتها، لكنه ينجح في جعلها مرئية ومفهومة، دون ادعاء امتلاك حلول سحرية أو وعود تعافٍ سريعة.
في قسم تفسير الاكتئاب، الكتاب قوي وواضح، لا يكتفي بوصف الأعراض بل يشرح آليات تشكّلها وسياقاتها. أما في قسم "كيف نتعافى"، فيقدّم توجيهات عامة ومسؤولة، مع تأكيد متكرر وصريح على أهمية اللجوء إلى المختصين، وهو طرح واقعي يُحسب له، لا تهرّب فيه من دور العلاج النفسي ولا تحميل مبالغ للفرد.
التوازن بين العلمي والإنساني حاضر بوضوح. لا إسقاط للمعلومات، ولا وعظ مفرغ، بل اجتهاد ملموس في تقديم معرفة موزونة يمكن للقارئ العادي استيعابها دون تسطيح.
الكتاب لا يخاطب المكتئب وحده، بل كل من يهتم بفهم الاكتئاب، أو يعيش مع شخص مكتئب ويرغب في دعمه بوعي. لغته بسيطة، مصطلحاته العلمية مروّضة، وأسلوبه قريب من القلب.
ما يميّزه فعلًا هو كونه مكتوبًا من داخل السياق العربي: ثقافةً، ودينًا، وعادات. لا يشعر القارئ بالغربة كما يحدث مع كثير من الكتب المترجمة ذات الخلفية الغربية البحتة. لم يظهر فيه حشو أو أفكار يمكن الاستغناء عنها دون أن يختل البناء.
في النهاية، هذا كتاب يغيّر النظرة، لا لأنه صادم، بل لأنه صادق ومتزن، ويعيد الاكتئاب إلى مكانه الطبيعي: تجربة إنسانية تحتاج فهمًا، لا إنكارًا ولا تهوينًا.
"ليسَ من غايةِ العِلاحِ النّفسيّ أن يُقيمَ ميزانَ العدالة ويتحوّلَ لمحكمة.. بل الأنفَعُ أن تكونَ غايتُنا أن نتقدَّمَ نحنُ في حياتِنا"
من قراءات نادي مستنار، وطالعته على تطبيق سماوي.
..
اقتباسات مبعثرة
"فُقدانُ المرء للقدرة على الشعور بالسّرور تجاهَ أولادِه الصّغار أو أحفادِه مؤشِّرٌ قويّ على وُجودِ الاكتئاب، فصِغار المرء وأحفادُه قادِرون في العادة على إخراجِه من الغمّ العاديّ."
"في بعضَ الثقافاتِ غير الغربيّة، ومن بينِها العربيّة، تشهدُ أحيانًا أن يتمظهرَ الاكتئابُ في صورةِ أعراضٍ جسمانيّة، أو أن يُركّزَ المُصابُ بالاكتئابِ شكواهُ على الأعراضِ الجسمانيّة."
"الأشخاصُ الأقلُّ ثَباتًا انفِعاليًّا أكثرُ عُرضَةً للاكتئاب، وهذهِ العلاقةُ من أقوى العلاقاتِ بينَ عاملٍ ما والاكتتاب."
"كثيرًا ما يُشكِّلُ الضّغطُ والتوتّرُ العاملَ الذي يُرجِّحُ كَفّةَ حُصولِ الاكتئاب عند من لهم قابليّةً لذلك."
"النّوم ليس عكسَ الاستيقاظ أو غيابَ الاستيقاظ، بل هو نشاطّ مختلف عن الاستيقاظ... دِراساتُ النّوم أظهرتْ أنّ ثمّةَ نشاطًا دماغيًا هائلاً يحدُثُ خِلالَ النّوم."
"رعايةُ الإنسانِ لنفسِه تخلِقُ شُعورًا داخِليًّا عامًا باستِحقاقِ الإنسان للخير وأهليّتِه للعافية."
"الإنسانُ روحْ وشخصيّة وطباعٌ، وهو يتطوَّرُ ويتغيّر... أمّا حينَ نُفكّرُ في العلاقاتِ بمنطق الفيزياء والكيمياء، فستَنحَدِرُ إلى خاناتٍ ضيِّقة ومَصدَرٍ للقلّق والخوف."
"يجدرُ بالمرءِ أن يُبقِيَ مساحةً من الامتِنان لنفسِه، يَضِنُّ بها عن أن تُصبحَ مادّةً لفُضولِ الآخرينَ وجدَلِهم"
"الحديثُ هو المادّهُ الأساسيّة للعِلاجِ النّفسيّ، وهناك فائدةٌ تحدُثُ بمجرّد كلامِ المتعالِج واستِماعٍ المُعالِج استِماعًا فعّالًا"
"مجرَّدَ شُعورِ المرء أنّهُ حاضِرٌ في ذِهنِ إنسانٍ آخَرَ يمنَحُه شُعورًا إيجابيًّا، فهو يُدرِكُ أنّه ليسَ وحدَه"
"إذا كانَ الشيءُ مغرياً إلى درجةِ أنّه لا يُمكِنُ أن يكون حقيقة، فهو ليسَ حقيقة"



تعليقات
إرسال تعليق