الهدنة

 


 الهدنة 

المؤلف: ماريو بينيديتي
المترجم: صالح علماني
عدد الصفحات: ٢٢٣
الناشر: كلمة

رواية


**


"يراودني إحساس ضاغط بأن الحياة تفلت مني، وكأن شراييني قد انفتحت وأنا عاجز عن وقف دمي من التسرب"

رواية الهدنة تُروى بأسلوب اليوميات، وتحكي عن موظف أربعيني يعيش حياة رتيبة وباردة، يقترب من التقاعد وهو يشعر أن الزمن سرقه. فجأة يدخل الحب حياته عبر علاقة غير متوقعة، فيستعيد شيئًا من الحياة التي ظنها انتهت. لكنها ليست قصة رومانسية بقدر ما هي تأمل موجع في الوحدة والفراغ والوقت. ويتبين لنا فيها وعيه العميق بنفسه وأفكاره وحالته النفسية، وهذا ما جعلها تجربة مختلفة ومثيرة للإعجاب. 

انتهيت منها وأنا أشعر بحزن وفراغ حقيقيين، كأن الرواية لم تنتهِ عند آخر صفحة، بل تركتني في نفس المساحة الرمادية التي كان يعيش فيها بطلها.

أكثر ما شدّني فيها هو أسلوب اليوميات؛ كان خيارًا موفقًا جدًا لأنه يجعل القارئ قريبًا من التفاصيل الصغيرة التي تصنع حياة الإنسان: العمل، العلاقات، التعب النفسي، والزمن الذي يمضي دون وعي حقيقي به. هذا السرد لم يكن مملًا بالنسبة لي، وعمقه أنما نبع من صدقه، وكأنه اعتراف يومي لإنسان لم يعد يملك طاقة للادعاء.

شخصية سانتومي بدت لي واقعية جدًا. ليس بطلًا ملهمًا ولا شخصية مثالية، بل رجل عادي يمثل شريحة واسعة من الناس: أولئك الذين يمضون أعمارهم في الروتين، يكررون الأيام، ويؤجلون الحياة حتى تتحول الحياة نفسها إلى شيء بعيد عن الحلم الأساسي. وما يؤلم في الرواية أنها تذكّرك بأن الإنسان قد يستيقظ أخيرًا… في الوقت الذي لم يعد فيه الوقت متاحًا، وهذا للأسف غالباً ما يحدث.


لكن أكثر ما آلمني في الرواية لم يكن الحب ولا النهاية، بل علاقته بأبنائه. ذلك النوع من الفتور الذي لا يحدث فجأة، بل يتكوّن بصمت حتى تصبح العائلة مجرد أسماء في بيت واحد. كان مؤلمًا أن ترى إنسانًا يكتشف متأخرًا أن الأبوة ليست لقبًا فقط.


"كل شيء كان اضطراريا على الدوام، ربما كي أتمكن من الشعور بالسعادة"


الحب لم يُطرح هنا كحل سحري لفتور حياة سانتومي، ولم تكن الرواية رومانسية، إنما طُرح كهدنة وسعادة مؤقته له، ففي بعض اللحظات رأيت تلك العلاقة هروباً من الوحدة، وفي لحظات أخرى بدت لي حبًا حقيقياً.


الموضوع الأعمق الذي بقي معي هو الروتين والشيخوخة والفراغ: كيف يمكن للإنسان أن يعيش عمره كله دون أن يفعل شيئًا يحبه، ثم لا يستيقظ إلا في النهاية، حين لا يعود الوقت في صفّه، وحين يكون قد نسي أصلًا ماذا كان يحب وكيف كان يعيش ذلك الشغف. هذه الفكرة كانت موجعة جدًا لأنها ليست خيالًا أدبيًا، بل احتمال واقعي لأي شخص.


النهاية كانت منطقية رغم قسوتها، وربما قوتها الحقيقية أنها لم تحاول أن تُرضي القارئ. نهاية تتسق تمامًا مع فكرة الرواية: أن الحياة قد تمنحك لحظة جميلة، فقط لتثبت لك أنها ليست وعدًا دائمًا بالسعادة.


أما ترجمة صالح علماني فكانت سلسة وجميلة، وخدمت النص دون أن تثقل عليه، وهذا مهم جدًا في رواية تعتمد على النبرة الداخلية أكثر من الأحداث.


الهدنة بالنسبة لي كانت تجربة مؤثرة، لأنها ليست رواية عن الحب فقط، بل عن الزمن… وعن الإنسان حين يكتشف متأخرًا أنه عاش كما يجب، لكنه لم يعش كما يحب.


"يا لبشاعة مواجهة أحدنا بالحقيقة، وخاصة إذا كانت من الحقائق التي يتفادى المرء قولها لنفسه"


"الهدنة" كانت مؤثرة، صادقة، موجعة بهدوء.


⚠️ تحذير: توجد بعض الإيحاءات والتعديات على الذات الإلهية.

من قراءات نادي متكأ.


.

.


اقتباسات مبعثرة

"الموت تجربة مضجرة بالنسبة، للآخرين"


"هناك لحظات يتملكني فيها أمل مترف بأن البطالة هي أمر متكامل وغني، وأنها الفرصة الأخيرة كي أجد نفسي"

"أشعر أحيانا بالتعاسة لمجرد أني لا أعرف ما هو الشيء الذي أحن إليه"

"إن القسوة البريئة التي يمكن للناس أن يصلوا إليها أحيانا مثيرة للفضول"

"الأرق هو لعنة عطلتي في نهاية الأسبوع. وعندما أتقاعد، وتصبح أيامي كلها عطلة، ألن أنام أبداً؟"

"لا أدري ما هي قيمة اللطف في العلاقات بين الأب والأبناء"


"إن ما أرغب فيه الآن هو أكثر تواضعا بكثير مما كنت أرغب فيه قبل ثلاثين عاما"


"إحدى أعظم سعادات الحياة: رؤية الشمس تتسرب من بين أوراق الشجر"


"بأي شيء سيواجه أحدنا مناسبة تحتاج إلى القلب كاملا بكل ما فيه؟"


تعليقات

المشاركات الشائعة