في متحف ريمس
في متحف ريمس
رواية
**
"تيقن بارنابا بأن تلك الأكاذيب بالذات، تحمل في طياتها ذرات من الحقيقة، وكانت ذرة الحقيقة تلك، هي الأمر الأهم الذي يشعر بالحاجة إليه الآن، وينتابه الحنين إليه أكثر من غيره من الأشياء"
ما الذي يبقى من الإنسان حين يوشك على فقدان إحدى حواسه؟
نتتبع هنا بطلنا بارنابا ومحاولته قبول مرضه والاستسلام له، بقراره جعل الفن هو ما يريد من ذاكرته بصرية الأخيرة أن تحتفظ به. يزور المتاحف، يتأمل اللوحات طويلًا قبل أن يطبق الظلام على عينيه.
"من الممكن أن يحدث في أيّ وقت، من الممكن أنْ أغرق في الظُّلمة المُطبقةِ السوداء في أيّة لحظة، قد يحدُثُ بينما أنا ساع ما بين المتاحف لرؤية ما هو متاحٌ في الزمن المتبقّي لدَيّ، وقد يحدث الآن، أن تنطفئ عيناي بالكامل، بينما أبحث عن لوحات كوروت."
لكن، ما قيمة اللوحات حين تصبح مجرد ذكرى؟ وهل تكفي الذكرى وحدها لتكون بديلًا عن الواقع؟
لم يكن اختياره للوحات عشوائيًا، بل "كان يختار اللوحات التي يرغب في مشاهدتها من الكتب التي قرأها، وتنطلق اختياراته في الغالب من موضوع اللوحة، فيحاول الاطلاع على كل شيء يخصها قبل الانطلاق بالرحلة." فاختياره للوحة مارا ليس عابرًا. هل كان يشبهه بلحظة الضعف التي غُدر بها؟
في متحف ريمس، تعرّف بآني التي رافقته في هذه الرحلة لتصف له اللوحات برؤيتها المتفرّدة. علاقتهما لم تكن بسيطة، بل متذبذبة بين احتياجه لعينيها وريبته من دقة وصفها. كانت تتحدث عن الألوان بمعانٍ مغايرة، تصف الأصفر لا كما يُرى، بل كما يُشعر به: "أصفر كما الخيانة، كما تقلّب المزاج." هنا, يدرك بارنابا أن ما يسمعه ليس الحقيقة. كان يريد آن يرى اللوحات كما هي، غير آنه وجد نفسه مضطرًا لرؤيتها كما تصفها آني.
"ما أهمية أن أعرف ما إذا كان ذلك كله موجودًا حقا؟ أم لا؟ أهناك ضرورة أن أتذكر هذه اللوحات كما هي في الواقع، أو كما تصورتها؟ أم أن أتذكرها كما حدثتني هي عنها؟"
في هذه الرواية، لا يسرد المؤلف قصة رجل يفقد بصره فحسب، بل ما يفقده مع بصره. عن معنى الحياة الذي يتغير بفقد إحدى الحواس، عن تعريف جديد للعلاقات، عن ما الذي يبقى من الإنسان حين يخسر جزءًا منه؟
كيف نعيد تعريف الحياة بعد الفقد؟
"كيف سأعيش دونما ألوان؟"
.
.
من قراءاتي مع نادي متكأ.
تحوي بعض الإيحاءات. ليست للجميع.
…
اقتباسات مبعثرة
"من الصعب أن تكون لدى من هم في حالتي عواطف تجاه ماهو خارج عنهم، ماداموا عاجزين عن رؤيته"
"صار قادرا على لقبول بأي شيء، عدا أن ينتبه الآخرون إلى الحالة التي هو عليها"
"في الحياة لحظات، تتضح خلالها الأمور بشكل مفاجئ، وعلى حين غرة"
"مرضي يتيح لي القليل من الأشياء حقاً، وهي دائماً، مختلفة ومغايرة عما كانت الصحة الجيدة والحالة الطبيعية تمنحاني إياها من قبل"
"مؤسف حقا، مؤسف بالنسبة لي بالذات، بأن الضوء تغير، ليتحول إلى ظل. وهو، في أي حال من الأحوال، مؤلم لأي كائن، ومن العسير حقاً القبول بفكرة أن يجد المرء نفسه، وقد اختير لمواجهة قدر مثل هذا"
"إذا ما كان بإمكاني أن أبني لنفسي خلال النهار أفقاً ما، فإن الليل لم يكن يبقي لي إلا الغرق في لجة الأفكار"
تعليقات
إرسال تعليق